أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
362
شرح مقامات الحريري
حمص عند افتتاح الأندلس ، فلذلك سميت حمص ، وأخذت من قولهم : حمص الجرح يحمص حموصا ، وانحمص ينحمص انحماصا . إذا ذهب ورمه . قال اليعقوبي : مدينة حمص من أوسع مباني الشام ، ولها نهر عظيم ، منه يشرب أهلها ، وافتتحها أبو عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنه . وفي حديث عمر رضي اللّه عنه : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ليبعثنّ اللّه تعالى من مدينة بالشام يقال لها حمص سبعين ألفا يوم القيامة لا حساب عليهم » . ودخلها شيخنا ابن جبير سنة ثمانين وخمسمائة وقال : هي فسيحة الساحة ، مستطيلة المساحة ، نزهة لعين مبصرها من النّظافة والملاحة ، موضوعة في بسيط من الأرض ، عريض مداه ، لا يتخرّقه النسيم بمسراه ، ويكاد البصر يقف دون منتهاه ، وماؤها يجلب لها من نهرها العاصي ، وهو منها بنحو ميل ، ومنبعه في مغارة بسفح جبل بمرحلة منها ، بموصل يقابل بعلبكّ ، وأهل حمص موصوفون بالنجدة لمجاورتهم العدوّ ، وأسوارها في غاية العتاقة والوثاقة ، مرصوص بناؤها بالحجارة السود ، وأما داخلها فما شئت من بادية شعثاء ، خلقة الأرجاء لا إشراق لآفاقها ، ولا رونق لأسواقها ، وما ظنّك ببلد حصن الأكراد منه على أميال يسيرة . وتجد فيها عند اطّلاعك عليها بعض شبه من مدينة إشبيلية يقع للحين في نفسك حبّها ، ولذلك سميت باسمها في القديم ، ولهذا نزل إشبيلية بعض أعراب حمص . وقال الفنجديهي : بأهل حمص يضرب المثل في الحماقة ، وكثرة الرقاعة ، وتنسب إليهم حكايات مضحكة ، حكي عن بعضهم أنه قال : دخلتها وفي فمي درهم لأشتري به بعض ما اشتهيه ، فإذا برجل بباب الجامع جالس على كرسيّ ، وعلى رأسه عمامة محنّك بها على قلنسوة ، وقد لبس فروة مقلوبة بلا سراويل ، وقد تقلّد بسيف ، وفي حجره مصحف يقرأ فيه ، وعنده كلب رابض يمسكه بمقوده ، فسلّمت عليه ، فردّ السلام ، وقلت له : أترى القوم صلّوا ؟ فقال لي : أو أنت أعمى ! أما تراني قاعدا ! قلت : من أنت ؟ قال : أنا أبو خالد إمام الجامع ، فقلت : ما هذه الحلية ؟ قال : ورد رجل زنديق يقرأ السبع الطوال ، ويشتم أبا بكر الصّناديقي وعمر القواريريّ وعثمان بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي غسّان الذي هو من حملة العرش ، وزوّجه النبي ابنته عائشة في زمن الحجّاج بن يوسف ، فاستولدها الحسن والحسين ، فقلت : ما أعرفك بالمقالة والأنساب ! قال : وما خفي عنك أكثر ، قلت : أتحفظ القرآن ؟ قال : نعم ، قلت : فاقرأ شيئا منه ، فقال : بسم اللّه الرحمن الرحيم وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [ يوسف : 5 ] ، فصفعته صفعة سقطت عمامته ، وبقي التحنّك في عنقه ، فصاح بالناس : قلنسوتي ! وقال : احملوه إلى المحتسب ، فأوصلوني إلى رجل حاسر حاف ، قد لبس درّاعة بلا سراويل ، فقال : ما